تفسير سورة: التكوير

تفسير سورة: التكوير

1- {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}:
– أَظْلَمَتْ- ذَهَبَتْ- ذَهَبَ ضَوْءُهَا- غورت- تَقَعُ فِي الْأَرْضِ- اضمحلت- كوّرت كورًا- لُفَّتْ كَمَا تُلَفُّ الْعِمَامَةُ.
– جَمْعُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لُفَّتْ فَرَمَى بِهَا، وَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ذَهَبَ ضوءها.
– يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْبَحْرِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا دَبُّورًا فتضرمها نارًأ.

2- {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ}:
– وإذا النجوم تَنَاثَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَتَسَاقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، وأصل الانكدار: الانصباب. يُقَالُ: انْكَدَرَ الطَّائِرُ أَيْ سَقَطَ عَنْ عُشِّهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَعَطَاءٌ: تُمْطِرُ السَّمَاءُ يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلَا يَبْقَى نَجْمٌ إِلَّا وَقَعَ.
– وَإِذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ.
– تساقطت من أفلاكها، وتهافتت.
– رُمِي بها من السماء إلى الأرض.

3- {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}:
– قُلِعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَصَارَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا.
– صارت كثيبًا مهيلًا ثم صارت كالعهن المنفوش، ثم تغيرت وصارت هباءً منبثا، وسيرت عن أماكنها.
– إِذْ وَقَعَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ وَاخْتَلَطَتْ، فَفَزِعَتِ الْجِنُّ إِلَى الْإِنْسِ وَالْإِنْسُ إِلَى الْجِنِّ، وَاخْتَلَطَتِ الدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ، فَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ.

4- {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}:
• (والعشار): جمع عشراء، وهي التي قد أتى عليها عشرة أشهر من حملها.
– وهي الحوامل من الإبل وَهِيَ أَنْفَسُ مَالٍ عِنْدَ الْعَرَبِ والتي يَتَنافس أهلها فيها .
• (عُطِّلَتْ):  تركت إذا أهملها أهلها لِمَا جَاءَهُمْ مِنْ هول يوم القيامة ، وتُرِكَتْ بِلَا رَاعٍ ، وَكَانُوا لَازِمِينَ لِأَذْنَابِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ أَعْجَبَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا.

5- {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}:
– أي: جمعت ليوم القيامة، ليقتص الله من بعضها لبعض، ويرى العباد كمال عدله، حتى إنه ليقتص من القرناء للجماء  ثم يقول لها: كوني ترابا.
– حَشْرُ البهائم: موتها، وحشر كل شيء: الموت، غير الجنّ والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة.

– قال ابن عباس: حشرها: موتها.
– اخْتَلَطَتْ.

6- {وإذ الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}:
– (سُجِّرَتْ): أُوقِدَتْ – نارا تتوقد – يَبِسَتْ- غاض ماؤها فذهب فلم يُبْقِ فِيهَا قَطْرَةً – فتحت.
– قال ابن عباس: يرسل الله عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير ناراً تأجج، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا».
– قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نَارًا تَضْطَرِمُ.
–  صَارَتْ مِيَاهُهَا بَحْرًا وَاحِدًا مِنَ الْحَمِيمِ لِأَهْلِ النَّارِ.
– فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ، فَصَارَتِ الْبُحُورُ كُلُّهَا بَحْرًا وَاحِدًا.

7- {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}:
– تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَيُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ السُّوءِ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النار، فذلك تزويج الأنفس.
–  قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين.
– أُلْحِقَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ، الْيَهُودِيُّ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ.
–  يُحْشَرُ الرَّجُلُ مَعَ صَاحِبِ عَمَلِهِ. وَقِيلَ: زُوِّجَتِ النُّفُوسُ بِأَعْمَالِهَا.
– زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ.

– رُدَّتِ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَجْسَادِ.
– هما الرجلان يعمَلان العمل الواحد يدخلان به الجنة، ويدخلان به النار.
– أزواج في الجنة، وأزواج في النار.
– كلّ رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله.
– زوّجت الأجساد فردّت الأرواح في الأجساد.

8- {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ}:
• (الموءُدة): المدفونة: وهي التي كانت أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدُسُّونَهَا فِي التُّرَابِ وهي حية بسبب كَرَاهِيَةَ الْبَنَاتِ، وخشية الفقر.
– وَهِيَ الْجَارِيَةُ الْمَدْفُونَةُ حَيَّةً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا يُطْرَحُ عَلَيْهَا من التراب فيؤدها، أَيْ يُثْقِلُهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَدْفِنُ الْبَنَاتَ حَيَّةً مَخَافَةَ الْعَارِ وَالْحَاجَةِ.
• (سُئِلَتْ) فيوم القيامة تسأل الموءُدة عَلَى أَيِّ ذَنْبٍ قُتلت لِيَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لقاتلها، فإنه إذا سُئِلَ الْمَظْلُومُ فَمَا ظَنُّ الظَّالِمِ إِذًا؟ قَالَ ابن عباس: أي طالبت بدمها.
– عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا حَمَلَتْ وَكَانَ أَوَانُ وِلَادَتِهَا حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلَى رَأْسِ الْحُفْرَةِ، فَإِنْ وَلَدَتْ جَارِيَةً رَمَتْ بِهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا حَبَسَتْهُ.

9- {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}:
– وَمَعْنَى سُؤَالِهَا تَوْبِيخُ قَاتِلِهَا، لِأَنَّهَا تَقُولُ: قُتِلْتُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
– سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها.
– جَاءَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَأَدْتُ بَنَاتٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قال: «أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَقَبَةً» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي صَاحِبُ إِبِلٍ، قَالَ: «فانحر عن كل واحدة منهن بدنة».

10- { وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}:
• (وَإِذَا الصُّحُفُ): صحائف الأعمال المشتملة على ما عمله العاملون من خير وشر.
• (نُشِرَتْ): فرقت على أهلها ونُشرت للحساب بعد أن كانت مطوية على ما فيها من الحسنات والسيئات، وأُعْطِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ، أَوْ بِشِمَالِهِ، أو مِنْ وَرَاء ظَهْره.
– قَالَ قَتَادَةُ: يَا ابْنَ آدَمَ تُمْلَى فِيهَا ثُمَّ تُطْوَى، ثُمَّ تُنْشَرُ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَنْظُرْ رَجُلٌ ماذا يملي في صحيفته.

11- { وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ}:
• (كُشِطَتْ): تَكْشِفُ عَمَّنْ فِيهَا. وَمَعْنَى «الْكَشْطِ» رَفْعُكَ شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ قَدْ غَطَّاهُ، كَمَا يُكْشَطُ الْجِلْدُ عَنِ السَّنَامِ.
– كُشِفَتْ.
– تَنْكَشِطُ فَتَذْهَبُ.
– أزيلت.

– نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ – قُلِعَتْ كَمَا يُقْلَعُ السَّقْفُ.
– وإذا السماء نزعت وجُذبت ثم طُويت.

12- {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}:
– وإذا الجحيم أوقد عليها فأُحميت.
– سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم.
– أُوقِدَتْ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ.

13- {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ }:
– قُرِّبَتْ وأُدنيت لِأَوْلِيَاءِ اللَّه للمتقين.
– قال الضحّاك: أي قربت من أهلها.

14- {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}:
• (عَلِمَتْ نَفْسٌ): أي: كل نفس، لإتيانها في سياق الشرط.
• (مَا أَحْضَرَتْ): أي: ما حضر لديها من الأعمال التي قدمتها كما قال تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا}.
– (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ): هَذَا هُوَ الْجَوَابُ أَيْ إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ حينئذٍ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ، وَأُحْضِرَ ذَلِكَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً}.
– علمت نفس عند ذلك ما أحضرت من خير، فتصير به إلى الجنة، أو شرّ فتصير به إلى النار.

15- {فَلَا أُقْسِمُ بالخنَّس } 16-{ الجوار الكُنَّس}:
– (فَلَا): زائدة.
– (أُقْسِمُ بالخنَّس): أقسم تعالى بِالْخُنَّسِ، هِيَ النُّجُومُ تَبْدُو بِاللَّيْلِ وَتَخْنَسُ بِالنَّهَارِ، فَتُخْفَى فَلَا تُرَى.
– أَنَّهَا الْكَوَاكِبُ تَخْنَسُ بِالنَّهَارِ فَلَا تُرَى، وَتَكْنَسُ تَأْوِي إِلَى مَجَارِيهَا.
– وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الأجْرَام الْخَمْسَةُ: زُحَلُ، وَالْمُشْتَرَي، وَالْمِرِّيخُ، وَالزُّهَرَةُ، وَعُطَارِدُ، تَخْنَسُ فِي مَجْرَاهَا، أَيْ: تَرْجِعُ وَرَاءَهَا وَتَكْنَسُ: تَسْتَتِرُ وَقْتَ اخْتِفَائِهَا وَغُرُوبِهَا، كَمَا تَكْنَسُ الظِّبَاءُ فِي مُغَارِهَا. أي كما تختفي الظباء أو الغزلان في أماكن اختباءها.
– يُقسم الله تعالى بالنجوم والكواكب التي تجري وتتحرك في أفلاكها، ثم تختفي وتتوارى عن الأنظار في مغيبها، كما تفعل الظباء عندما تختبئ في أماكنها.

17- {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}:
– وَاللَّيْلِ إِذَا أقبل بظلامه.
– إذا غَشِيَ الناسَ.
– وقال ابن عباس وآخرون: والليل إذا أدبر أي إذا ذهب.
– تَقُولُ الْعَرَبُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ وَسَعْسَعَ: إِذَا أَدْبَرَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِيرُ.

18- {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}:
– أَقْبَلَ وَبَدَا أَوَّلُهُ.
– امْتَدَّ ضَوْءُهُ وَارْتَفَعَ.
– بانت علائم الصبح، وانشق النور شيئًا فشيئًا حتى يستكمل وتطلع الشمس.
– بمعنى «أضاء» مثل قول الشاعر: حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهُ تَنَفَّسَا * وَانَجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا.

19- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}:
-(إِنَّهُ): يَعْنِي الْقُرْآنَ.
– (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ): يَعْنِي جِبْرِيلَ أَيْ: نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
– يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَتَبْلِيغُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أَيْ مَلَكٌ شَرِيفٌ حَسَنُ الْخَلْقِ بَهِيُّ الْمَنْظَرِ، وَهُوَ (جِبْرِيلُ) عَلَيْهِ الصلاة والسلام.

20- {ذِي قُوَّةٍ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}:
• (ذِي عِنْدَ قُوَّةٍ): وَكَانَ مِنْ قُوَّتِهِ أَنَّهُ اقْتَلَعَ قَرْيَاتِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الْمَاءِ الْأَسْوَدِ وَحَمَلَهَا عَلَى جَنَاحِهِ فَرَفَعَهَا إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَلَبَهَا، وَأَنَّهُ أَبْصَرَ إِبْلِيسَ يُكَلِّمُ عِيسَى عَلَى بَعْضِ عُقَابِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَنَفَخَهُ بِجَنَاحِهِ نَفْخَةً أَلْقَاهُ إِلَى أَقْصَى جَبَلٍ بِالْهِنْدِ، وَأَنَّهُ صَاحَ صَيْحَةً بِثَمُودَ فَأَصْبَحُوا جَاثِمِينَ، وَأَنَّهُ يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَيَصْعَدُ فِي أَسْرَعَ مِنَ الطَّيْرِ.
– شَدِيدُ الْخَلْقِ شَدِيدُ الْبَطْشِ وَالْفِعْلِ
• (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ): أي: جبريل مُقرب عند الله، له منزلة رفيعة، وخصيصة من الله اختصه بها.
• (مَكِينٍ): أي: له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم.

21- {مُّطَاعٍ ثَمّ أَمِينٍ }:
• (مُّطَاعٍ ثَمّ): أَيْ فِي السَّمَوَاتِ، يَعْنِي لَيْسَ هو من أفناد (أفناد: جماعات) الْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُوَ مِنَ السَّادَةِ وَالْأَشْرَافِ، مُعْتَنَى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
– مطاع في الملأ الأعلى، لديه من الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه.
– مطاع في السَّمَاوَاتِ تُطِيعُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَمِنْ طَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ أَنَّهُمْ فَتَحُوا أَبْوَابَ السَّمَاوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِقَوْلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَتَحَ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ أَبْوَابَهَا بِقَوْلِهِ، {أَمِينٍ} عَلَى وَحْيِ اللَّهِ وَرِسَالَتِهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ
• (أَمِينٍ): صِفَةٌ لِجِبْرِيلَ بِالْأَمَانَةِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا، أَنَّ الرَّبَّ عزَّ وجلَّ يُزَكِّي عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْمَلَكِيَّ جِبْرِيلَ كَمَا زَكَّى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْبَشَرِيَّ محمداً صلى الله عليه وسلم.
– ذو أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل.
– أمين عند الله على وحيه ورسالته وغير ذلك مما ائتمنه عليه.

22- {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}:
• (وَمَا صَاحِبُكُمْ): يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
• (بِمَجْنُونٍ): كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته، المتقولون عليه من الأقوال، التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به ما شاءوا وقدروا عليه، بل هو أكمل الناس عقلا وأجزلهم رأيًا، وأصدقهم لهجة.
– يَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ: وَمَا صَاحِبُكُمْ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَجْنُونٍ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ، أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَمَا يَقُولُ يَقُولُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.

23- {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}:
• (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ): يَعْنِي وَلَقَدْ رَأَى مُحَمَّدُ (جِبْرِيلَ)، الَّذِي يَأْتِيهِ بِالرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةُ جَنَاحٍ.
• (الْمُبِينِ): أَيِ البيِّن، وهي الرؤية الأولى كَانَتْ بِالْبَطْحَاءِ.
– وَهُوَ الْأُفُقُ الْأَعْلَى مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ.
– عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ فِي صُورَتِكَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا فِي السَّمَاءِ. قَالَ لَنْ تَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَأَيْنَ تَشَاءُ أَنْ أَتَخَيَّلَ لَكَ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، قَالَ: لَا يَسَعُنِي، قَالَ فَهَاهُنَا، قَالَ: لَا يَسَعُنِي، قَالَ: فَبِعَرَفَاتٍ، قَالَ: ذَلِكَ بِالْحَرَى أَنْ يَسَعَنِي فَوَاعَدَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْتِ فَإِذَا هُوَ بِجِبْرِيلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ جِبَالِ عَرَفَاتٍ بِخَشْخَشَةٍ وَكَلْكَلَةٍ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ: فَتَحَوَّلَ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَا تَخَفْ فَكَيْفَ لَكَ لَوْ رَأَيْتَ إِسْرَافِيلَ وَرَأْسُهُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَإِنَّ الْعَرْشَ لَعَلَى كَاهِلِهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَضَاءَلُ أَحْيَانًا مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ [الصَّعْوِ] يَعْنِي الْعُصْفُورَ، حَتَّى مَا يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ إِلَّا عَظَمَتُهُ.

– ما رأى جبريل النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورته إلا مرّة واحدة، وكان يأتيه في صورة رجل يقال له: دَحْية، فأتاه يوم رآه في صورته قد سدّ الأفق كله، عليه سندس أخضر معلق الدّر، فذلك قول الله: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ).

24- {وَمَا هُوَ على الغيب بِظَنِينٍ}:
• (وَمَا هُوَ): يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
• (عَلَى الْغَيْبِ): أَيِ الْوَحْيِ، وَخَبَرِ السَّمَاءِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَالْقَصَصِ.
• (بِضَنِينٍ): أَيْ بِمُتَّهَمٍ.
يَبْخَلُ: يَقُولُ إِنَّهُ يَأْتِيهِ عِلْمُ الْغَيْبِ فَلَا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكُمْ بَلْ يُعَلِّمُكُمْ وَيُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَلَا يَكْتُمُهُ كَمَا يَكْتُمُ الْكَاهِنُ مَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوَانًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَنِنْتُ بِالشَّيْءِ بِكَسْرِ النُّونِ أَضِنُّ بِهِ ضَنًّا وَضِنَانَةً فَأَنَا بِهِ ضَنِينٌ أَيْ بَخِيلٌ
– وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو صلى الله عليه وسلم أمين أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في أمة أمية، جاهلة جهلاء، فلم يمت صلى الله عليه وسلم حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم.

25- {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}:
• (وَمَا هُوَ): يَعْنِي الْقُرْآنَ.
• (بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ): إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا كَهَانَةٍ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ.
– أَيْ وَمَا هَذَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ وَلَا يُرِيدُهُ وَلَا يَنْبَغِي له، كما قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السمع لمعزولون}.

26- {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}:
–  أي: كيف يخطر هذا ببالكم، وأين عزبت عنكم أذهانكم؟ حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب، الذي هو أنزل ما يكون وأرذل وأسفل الباطل؟ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق.

– فَأَيْنَ تَذْهَبُ عُقُولُكُمْ فِي تَكْذِيبِكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ!
– أَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ، وَفِيهِ الشِّفَاءُ وَالْبَيَانُ؟
– أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ.

27- {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}:
• (إنْ  هُوَ): ما القرآن.
• (إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ): إلا تذكرة وعظة للعالمين من الجنّ والإنس – مَوْعِظَةٌ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
–  يتذكرون به ربهم، وما له من صفات الكمال، وما ينزه عنه من النقائص والرذائل والأمثال ، ويتذكرون به الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، وبالجملة، يتذكرون به مصالح الدارين، وينالون بالعمل به السعادتين.
– أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ يَتَذَكَّرُونَ بِهِ وَيَتَّعِظُونَ

28- {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}:
– أي لمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه مناجاة لَهُ وَهِدَايَةٌ، وَلَا هِدَايَةَ فِيمَا سِوَاهُ.
– تبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال.
– يَتْبَعَ الْحَقَّ وَيُقِيمَ عَلَيْهِ.
– فجعل ذلك تعالى ذكره ذكرا لمن شاء من العالمين أن يستقيم، ولم يجعله ذكرا لجميعهم.

29- {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}:
– أَيْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي التَّوْفِيقِ إِلَيْهِ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَفِيهِ إِعْلَامٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْمَلُ خَيْرًا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَلَا شَرًّا إِلَّا بِخِذْلَانِهِ.
– وما تشاءون أيها الناس الاستقامة على الحقّ، إلا أن يشاء الله ذلك.
– أي: فمشيئته نافذة، لا يمكن أن تعارض أو تمانع. وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة، والقدرية المجبرة كما تقدم مثله.
– عن سليمان بن موسى لما نزلت (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) قال أبو جهل ذلك إلينا، إن شئنا استقمنا، فنزلت: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *