تفسير سورة: الغاشية

                                 

تفسير سورة: الغاشية

1- {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}
(هَلْ أَتَاكَ): يا «محمد».
(حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ): قصتها وخبرها.
(الغاشية): هي القيامة: تغشي الناس بالأهوال، والبلاء، والكروب.
وقال آخرون: النار: تغشَى وجوه الكَفَرة.

2- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}
(وُجُوهٌ): وهي وجوه أهل الكفر بالله.
(يَوْمَئِذٍ): يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(خَاشِعَةٌ):
ذَلِيلَةٌ.
خاشعة في النار.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا.
خَاشِعَة من الذل، والفضيحة، والخزي، والعار.

3- {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}
(عَامِلَةٌ): عاملة في النار.
(نَاصِبَةٌ):
مَعْنَى النَّصَبِ: الدَّأْبُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّعَبِ.
يَعْنِي الَّذِينَ عَمِلُوا وَنَصَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِثْلَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا فِي ضَلَالَةٍ، يَدْخُلُونَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ، فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فِي كِتَابِهِ: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} فذاك الذي أبكاني.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ: النَّصَارَى.
عَامِلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي، نَاصِبَةٌ في الآخرة في النار بالعذاب والإهلاك.
لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَأَعْمَلَهَا وَأَنْصَبَهَا فِي النَّارِ بِمُعَالَجَةِ السَّلَاسِلِ، وَالْأَغْلَالِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخُوضُ فِي النَّارِ كَمَا تَخُوضُ الْإِبِلُ فِي الْوَحْلِ.
يَجْرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ.
3-
{تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}

(تَصْلَى): تصلى الوجوه.
(نَاراً حَامِيَةً): حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، تحيط بهم من كل مكان.

5- {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}
(تُسْقَى): تسقى أصحاب هذه الوجوه الخاشعة.
(عَيْنٍ آنِيَةٍ):
حارة مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْحَرَارَةِ قَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهَا جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إِلَيْهَا وِرْدًا عِطَاشًا.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَوْ وَقَعَتْ مِنْهَا قَطْرَةٌ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ.
انْتَهَى حرها وغليانها.
هي التي قد أطال أنينها، وحان شربها.
أنَى طبخها منذ يوم خلق الله الدنيا.
من عين حاضرة.

6- {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ}
(لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ): أي ليس لأصحاب الوجوه الذليلة طعامًا إلا من ضريع.
(ضَرِيعٍ):
شجر من النار.
الزَّقُّومُ.
الحجارة.
نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ «الشِّبْرِقُ» يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يبس، وهو سم.
شر الطعام وأبشعه وأخبثه.
الشَّوك من النار.
7- {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}
 لا يُسمن هذا الضريع يوم القيامة أكلته من أهل النار، ولا يُشْبعهم من جوع يصيبهم.
  لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ إِبِلَنَا لَتَسْمَنُ عَلَى الضَّرِيعِ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِبِلَ إِنَّمَا تَرْعَاهُ مَا دَامَ رَطْبًا، وَتُسَمَّى «شَبْرَقًا» فَإِذَا يَبِسَ لَا يَأْكُلُهُ شَيْءٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}. وذلك أن المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة، والنتن، والخسة. نسأل الله العافية.
8- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ}
(وُجُوهٌ): أي وجوه أهل الخير، وأهل الإيمان بالله.
(يَوْمَئِذٍ): أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(نَّاعِمَةٌ):
أَيْ يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا.
هي ناعمة بتنعيم الله أهلها في جناته، وهم أهل الإيمان بالله.
قد جَرتْ عليهم نَضرة النعيم، فَنضَرت أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسُروا غاية السرور.
قَالَ مُقَاتِلٌ: فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ.

9- {لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}
(ِّ لِّسَعْيِهَا): الذي قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى عباد الله.
(رَاضِيَة):
إذ وجدت ثوابه مُدخرًا مُضاعفًا، فحمدت عقباه، وحصل لها كل ما تتمناه.
قيل: لعملها الذي عملت في الدنيا من طاعة ربها راضية.
وقيل: لثواب سعيها في الآخرة راضية.
10- {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}
(جَنَّةٍ): بستان: جامعة لأنواع النعيم كلها.
(َعَالِيَةٍ):
في محلها ومنازلها، فمحلها في أعلى عليين، ومنازلها مساكن عالية، لها غُرف ومن فوق الغرف غُرف مبنية، يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة.
رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ.
11- {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً}
(لَا تَسْمَعُ): لا تسمع أصحاب هذه الوجوه الناعمة.
(فِيهَا): أي الجنة.
(لَاغِيَةً):
لَغْوٌ وَبَاطِلٌ، أذًى، شتمًا، هذيان الكلام.
ï أي: لا تسمع في الجنة كلمة لغو وباطل، ولا تسمع شتمًا، ولا أذى، ولا هذيان من الكلام. فضلًا عن الكلام المُحرم، بل كلامهم كلامٌ حسن نافع، مُشتمل على ذكر الله تعالى، وذكر نِعمهِ المتواترة عليهم، وعلى الآداب المستحسنة بين المتعاشرين، الذي يسر القلوب، ويشرح الصدور.

12- {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}
(فِيهَا): أي في الجنة.
(عَيْنٌ جَارِيَةٌ): أي سارحة وليس المراد بها عين وَاحِدَةً وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ يَعْنِي فِيهَا عُيُونٌ جاريات، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ – أَوْ مِنْ تَحْتِ جِبَالِ – المسك».

13- {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ}
(فِيهَا): أي في الجنة.
(سُرُرٌ): والسرر: جمع سرير. وهي المجالس المرتفعة في ذاتها، وبما عليها من الفرش اللينة الوطيئة.
(مَّرْفُوعَةٌ):
عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ، كَثِيرَةُ الفُرش مُرتفعة السمك، عليها الحور العين، فَإِذَا أَرَادَ وَلِيُ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ.
سرر مَرفوعة ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوّله ربه من النعيم والملك فيها، ويلحق جميع ذلك بصره.
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، مُرْتَفِعَةٌ مَا لَمْ يَجِيءْ أَهْلُهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إِلَى مَوَاضِعِهَا.
وقيل: موضونة.
وقيل: مصفوفة، بعضها فوق بعض.

14- {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}
(وَأَكْوَابٌ): وهي جمع كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها. أو أَوَانِي الشُّرْبِ
(مَوْضُوعَةٌ): موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب.
مُعَدَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا.
ï أي: أوانٍ مُمتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة، قد وضعت بين أيديهم، وأعدت لهم، وصارت تحت طلبهم واختيارهم، يَطوف بها عليهم الولدان المُخلدون.

15- {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}
(النَّمَارِقُ): الْوَسَائِدُ، وهي وسائد من الحرير، والاستبرق، وغيرهما، مما لا يعلمه إلا الله.
ووَاحِدَتُهَا «نُمْرُقَةٌ» بِضَمِّ النُّونِ.
المرافق.
المجالس.
(مَصْفُوفَةٌ):
بعضها بجنب بعض.
قد صُفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أريحوا عن أن يضعوها، ويصفوها بأنفسهم.

16- {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
(وَزَرَابِيُّ):
الْبُسُطُ الحسان العريضة.
هِيَ الطَّنَافِسُ (البُسط المنسوجة أو الأغطية السميكة والمريحة) الَّتِي لَهَا خُمُلٌ وَاحِدَتُهَا زَرْبِيَّةٌ.
(مَبْثُوثَةٌ)
المبسوطة، والمملوءة بها مجالسهم من كل جانب. أي ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها.
وَقِيلَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْمَجَالِسِ.
ï قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ!»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قال القوم: إن شاء الله.

17- {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}
أي: ألا ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها.
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ فَإِنَّهَا خَلْقٌ عَجِيبٌ وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وهي مع ذلك تنقاد لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، ونبهوا إلى ذلك لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَأنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَمْ يُشَاهِدِ الْفِيلَ إِلَّا الشَّاذُّ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّهَا تَنْهَضُ بِحِمْلِهَا وَهِيَ بَارِكَةٌ.
18- {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}
أَيْ كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ عزَّ وجلَّ عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ. حَتَّى لَا يَنَالَهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ عَمْدٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}.

19- {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}
وإلى الجبال كيف أقيمت مُرْسَاةً منتصبة على وجه الأرض لا تسقط، وجعلها بقدرته جامدة، لا تبرح مكانها، ولا تزول عن موضعها. وحصل بها استقرار الأرض، وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المعادن، والمنافع الجليلة ما أودع.

20- {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}
أَيْ: كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ.

مُدت مَدًا واسعًا، وسُهلت غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها.
ï قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الْإِبِلِ، أَوْ يَرْفَعَ مِثْلَ السَّمَاءِ، أَوْ يَنْصِبَ مِثْلَ الْجِبَالِ، أَوْ يَسْطَحَ مِثْلَ الْأَرْضِ غَيْرِي؟

21- {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}
(فَذَكِّرْ): يا «محمد» عظ عبادي بآياتي، وعظهم بحججي وبلِّغهم رسالتي.
(إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ): إنما أرسلتك إليهم مُذكرًا لتذكرهم نعمتي عندهم، وتعرّفهم اللازم لهم، وتعظهم.
ï أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم،

22- {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}
لست عليهم بمسلَّط، ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد، ولم تبعث مسيطرًا عليهم، ولا مُسلطًا موكلا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم. كقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}.
لست عليهم بِمُسَلَّطٍ فَتَقْتُلَهُمْ وَتُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ. نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.

23{إِلَاّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ}
أَيْ تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِه.
من تولى عن الطاعة وكفر بالله.
اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، مَعْنَاهُ: لَكِنَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ.

24- {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ}
وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ وَإِنَّمَا قَالَ «الْأَكْبَرَ» لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ، وَالْقَحْطِ، وَالْقَتْلِ، وَالْأَسْرِ.

الْعَذَابَ الأكبر الشديد الدائم، وهو عذابُ جهنم في الآخرة؛ وذلك بسبب كفره في الآخرة.

25- {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ}
أَيْ مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ.
إن إلينا رجوع من كفر ومعادهم.
رجوع الخليقة بَعْدَ الْمَوْتِ، وجمعهم في يوم القيامة.

26- {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}
جَزَاءَهُمْ بَعْدَ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر.
إن إلى الله الإياب وعليه الحساب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *