تفسير سورة: عَبَسَ

تفسير سورة: عَبَسَ

1- {عَبَسَ وَتَوَلَّى} 2- {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}:
– (عبس): كَلَحَ.
– (وَتَوَلى): أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ.
– )أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى :(أَيْ: لِأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَاسْمُهُ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الْفِهْرِيُّ مِنْ بني عامر بَنِي لُؤَيٍّ»، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَأَخَاهُ أُمَيَّةَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، يَرْجُو إِسْلَامَهُمْ، فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرِئْنِي وَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِ وَيُكَرِّرُ النِّدَاءَ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى ظَهَرَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَطْعِهِ كَلَامَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: يَقُولُ هَؤُلَاءِ الصَّنَادِيدُ: إِنَّمَا أَتْبَاعُهُ الْعِمْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالسَّفَلَةُ، فَعَبَسَ وَجْهُهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يُكَلِّمُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ، وَإِذَا رَآهُ قَالَ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي، وَيَقُولُ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟.

3- {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}:
– (وَمَا يُدْرِيكَ): يا مُحمد.
– (لَعَلَّهُ): الأعمى.
– (يَزَّكَّى): يَتَطَهَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَمَا يَتَعَلَّمُهُ مِنْكَ. ويتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة. أي: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُسْلِمُ.
– يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما يُدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يتطهَّر من ذنوبه.

4- {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}:
– أي: يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ.
– أَيْ: يحصل له اتعاظ وازدجار عَنِ الْمَحَارِمِ.
– أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى.

5- {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى}
– (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الْإِيمَانِ بِمَا لَهُ مِنَ الْمَالِ.
– أي: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم.
– عن سفيان (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) قال: نزلت في العباس.

6- {فَأَنتَ لَهُ تصدى}:
– تَتَعَرَّضُ لَهُ وَتُقْبِلُ عَلَيْهِ وَتُصْغِي إِلَى كَلَامِهِ.

7- {وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى}:
– وأي شيء عليك ألا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ.
– أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يزك نفسه.
– لَا يُؤْمِنُ وَلَا يَهْتَدِي.

8- {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى}:
– (وأما من جاءك): يا مُحمد.
– (يسعى): يَمْشِي يَعْنِي: ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
– (يسعى): أَيْ يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ
– أي: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا.

9- {وَهُوَ يَخْشَى}:
– وَهُوَ يخاف اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
– يَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ.

10- {فَأَنتَ عَنْهُ تلهَّى}:
– أي تتشاغل وتتغافل وَتُعْرِضُ عنه بغيره من أكابر المشركين.

11- {كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}:
– (كَلَّا): زَجْرٌ، أَيْ لَا تَفْعَلْ بَعْدَهَا مِثْلَهَا.
– (إِنَّهَا) يَعْنِي هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: آيَاتِ الْقُرْآنِ
– (تَذْكِرَةٌ): مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ.
– (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ): أي هذه الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ بين شريفهم ووضيعهم.

12- {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ}:
– (فَمَنْ شَاءَ): مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.
– (ذَكَرَهُ): أَيِ اتَّعَظَ بِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، ذَكَرَهُ وَفَهِمَهُ، وَاتَّعَظَ بِمَشِيئَتِهِ وَتَفْهِيمِهِ، وَالْهَاءُ فِي «ذَكَرَهُ» رَاجِعَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ وَالتَّنْزِيلِ وَالْوَعْظِ.
– أي فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه.
– أي: عمل به، كقوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.

13- {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ}:
– – أَيْ مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ.

– يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ.
– وَقِيلَ: كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى».

14- {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ}:
– (مَرْفُوعَةٍ): رَفِيعَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
– وَقِيلَ: مَرْفُوعَةٍ يَعْنِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
– (مُطَهَّرَةٍ): لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
– (مُطَهَّرَةٍ): من الآفاق وعن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها.
– (مُطهرة): أي من الدنس والزيادة والنقصان.

15- {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ}:
– قال ابن عباس ومجاهد: هِيَ الْمَلَائِكَةُ.
– وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
– وَقَالَ قَتَادَةُ: هم القراء.
– وقال ابن جرير: والصحيح أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ تعالى وبين خلقه، ومنه السَّفِيرُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ.
– وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرَةٌ: الْمَلَائِكَةُ: سفرتُ أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ، وجُعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ.
– قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَتَبَةٌ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، يُقَالُ: سَفَّرْتُ أَيْ كَتَبْتُ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَاتِبِ: سَافِرٌ، وَلِلْكِتَابِ: سِفْرٌ وَجَمْعُهُ: أَسْفَارٌ.
– وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُمُ الرُّسُلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاحِدُهُمْ سَفِيرٌ، وَهُوَ الرَّسُولُ، وَسَفِيرُ الْقَوْمِ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمْ لِلصُّلْحِ، وَسَفَرْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذَا أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ.

16- {كِرَامٍ بَرَرَةٍ}:
– (كِرَامٍ) أي: كثيري الخير والبركة.
– (بَرَرَةٍ): قلوبهم وأعمالهم.
– أَيْ: كِرَامٍ عَلَى الله بررة. والبَررَة: جمع بارّ.
– أي خَلْقهم كريم، وأخلاقهم بارة طاهرة، وفي الصحيح: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شاق له أجران».
– ذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا، وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى: {قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}.

17- { قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}:
– (قُتِلَ الْإِنْسَانُ): أَيْ لُعِنَ الإنسان الْكَافِرُ.
– (ما): الِاسْتِفْهَامُ، يَعْنِي: أَيُّ شَيْءٍ حَمَلَهُ عَلَى الْكُفْرِ؟
– (مَآ أَكْفَرَهُ): أي مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ مَعَ كَثْرَةِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُ.
– قال ابن عباس: لعن الإنسان، وهذا الجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه.
– وفي قوله: (أكْفَرَهُ) وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.

18- {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}:
– لفظة اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ.
– من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتى يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده.

19- {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}:
– (من نطفةً): أي من ماءٍ مهين خلقه.
– (فَقَدَّرَهُ): ثم قدر خلقه، وسواه بشرًا سويًا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة.
– (فَقَدَّرَهُ): أَيْ قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أو سعيد.
– (فَقَدَّرَهُ): أَطْوَارًا: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إِلَى آخِرِ خَلْقِهِ.
– قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَدَّرَ خَلْقَهُ، رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.

20- {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}:
– قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عليه خروجه من بطن أمه.
– ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق.
– يَعْنِي طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، سَهَّلَ لَهُ الْعِلْمَ بِهِ.
– يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، وبينه وامتحنه بالأمر والنهي.
–  سبيل الشقاء والسعادة.
– سبيل الخير.
– هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام.

21- {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}:
– (ثُمَّ): أَيْ إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ.
– (أمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ): أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض
– (َأمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ): أَيْ جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ قَبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ منه. وأقبره اللَّهُ.
– جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ.
– (أَقْبَرَهُ): صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده.
– والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر.

22- {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}:
– أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَ موته، ومنه يقال البعث والنشور.
– ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه.
– أَحْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
– بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو -مع هذا- لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا.

23- {كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ}:
– (كَلَّا): لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
– (لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ) لَمْ يُؤَدِّ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ من الفرائض لربه عزَّ وجلَّ.
– عن مجاهد قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افترض عليه.

24- {فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}:
– فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ، عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَامًا بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا.
– فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره.
– فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ كَيْفَ قَدَّرَهُ رَبُّهُ وَدَبَّرَهُ لَهُ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِحَيَاتِهِ.

25- {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً}:
– أَيْ أَنْزَلْنَا المطر مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ بكثرة.
– أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا.

26- {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً}:
–  أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها، فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
– فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات.

27- {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} 28- {وَعِنَباً وَقَضْباً}:
– (فَالْحَبُّ): كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها.
– (وَالْعِنَبُ): مَعْرُوفٌ.
– (وَالْقَضْبُ): هُوَ الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ (العَلَف). وهو الْقَتُّ الرَّطْبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ أَيْ يُقْطَعُ.

29- {وَزَيْتُونًا وَنَخْلا}:
– (وَزَيْتُونًا): وهو الزيتون الذي منه الزيت. وَهُوَ أُدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ ويدهن به.
– (وَنَخْلًا): جَمْعُ نَخْلَةٍ. يؤكل بلحاً وبسراً، وَرُطَبًا وَتَمْرًا، وَنِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ.

30- {وَحَدَائِقَ غُلْبًا}:
– (حدائق): أَيْ البساتين المُحوط عليها.
– (غُلْباً): نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ، أو كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عكرمة: غلاظ الأوساط.
– وقال آخرون: هو النخل الكرام.
– أي وانبتنا فيها حدائق كثيرة الأشجار.

31- {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا}:
– (وَفَاكِهَةً): فكل مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا.
– (وَأَبًّا): ما تأكله البهائم والأنعام. وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ.

32- {مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ}:
– (مَتَاعًا لَكُمْ): مَنْفَعَةً لَكُمْ يَعْنِي الْفَاكِهَةَ.
– (وَلِأَنْعَامِكُمْ): يَعْنِي الْعُشْبَ.
– أَيْ عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
– مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.
– أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية.

33- {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ}:
– ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور.
– يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ تُبَالِغُ فِي الْأَسْمَاعِ حَتَّى تَكَادَ تُصِمُّهَا.
– الصَّاخَّةُ: من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده.
– أي: إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال.

34- {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ } 35- {وأُمّه وَأَبِيهِ} 36- { وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}:
– (يفرّ من أخيه): يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به.
– (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ): يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا.
– (وَبَنِيهِ) حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم.
– حُكِيَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ « يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ » قَالَ: يَفِرُّ هَابِيلُ مِنْ قَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَلُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ صَاحِبَتِهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنِ ابْنِهِ.
– أَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ أَيُّ بَعْلٍ كُنْتُ لكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كُنْتَ، وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما أيسر ما طلبت، ولكن لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الذي تخاف.

– قال: وإن الرجل ليقى ابنه فيعلق بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ أَيُّ وَالِدٍ كُنْتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أبتِ مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعطيك شَيْئًا.

37- {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}:
– يَشْغَلُهُ عَنْ شَأْنِ غَيْرِهِ
– أي: قد شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء.
– قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: قَدْ شُغِلَ النَّاسُ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ».

38- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}:
– وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم.
– أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، مما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم.

39- {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ}:
– (ضَاحِكَةٌ): بِالسُّرُورِ.
– (مُسْتَبْشِرَةٌ): فَرِحَةٌ بِمَا نَالَتْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
– أَيْ مَسْرُورَةٌ فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أَهْلُ الْجَنَّةِ.

40- {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}:
– (وَوُجُوهٌ): وهي وجوه الكفار.
– (عَلَيْهَا غَبَرَةٌ): تغشاها سَوَادُ وَكَآبَةُ الْهَمِّ.
وقد ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابًا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر.

41- {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}:
– (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ): يغشاها ظُلْمَةٌ وَكُسُوفٌ.
– (قَتَرَةٌ): ذلة، فهي سوداء مُظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها.
– فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة.

42- {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}:
– (أُولَئِكَ هُمُ) أي: الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه.
– (الْكَفَرَةُ): الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ.
– (الْفَجَرَةُ): الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ.
– هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *