تفسير سورة: الانفطار
1- {إِذَا السماءُ انفطرت}:
• (انفطرت): انشقت. كما قال تعالى: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ به}.
– تشققت لنزول الملائكة منها.
2- {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ}:
• (انْتَثَرَتْ): أَيْ تَسَاقَطَتْ. وانتثرت نجومها، وزال جمالها.
3- {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}:
– فَجَّرَ اللَّهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فذهب ماؤها.
– اختلط عذبها بمالحها.
– فجرت البحار فصارت بحرا واحدا.
– فَاضَتْ.
– مُلِئَتْ.
3- {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}:
– بُحِثَتْ وَقُلِبَ تُرَابُهَا وَبُعِثَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى أَحْيَاءً يُقَالُ: بَعْثَرْتُ الْحَوْضَ وَبَحْثَرْتُهُ إِذَا قَلَبْتُهُ فَجَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ.
– وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُبَعْثَرُ – تُحَرَّكُ فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا.
– بُعثرت القبور بأن أخرجت ما فيها من الأموات، وحشروا للموقف بين يدي الله للجزاء على الأعمال. فحينئذ ينكشف الغطاء، ويزول ما كان خفيًا، وتعلم كل نفس ما معها من الأرباح والخسران، هنالك يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله باطلة، وميزانه قد خف، والمظالم قد تداعت إليه، والسيئات قد حضرت لديه، وأيقن بالشقاء الأبدي والعذاب السرمدي. وهنالك يفوز المتقون المقدمون لصالح الأعمال بالفوز العظيم، والنعيم المقيم والسلامة من عذاب الجحيم.
– وإذا القبور أُثيرت فاستخرج من فيها من الموتى أحياء، يقال: بعثر فلان حوض فلان: إذا جعل أسفله أعلاه، يقال: بعثرة وبحثرة: لغتان.
4- {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}:
• (مَا قَدَّمَتْ): مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ.
– وَقِيلَ: «مَا قَدَّمَتْ» مِنَ الصَّدَقَاتِ.
• (وَأَخَّرَتْ): مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ.
– وقيل َأَخَّرَتْ مِنَ التَّرِكَاتِ.
– علمت كلّ نفس ما قدّمت لذلك اليوم من عمل صالح ينفعه، وأخرت وراءه من شيء سنَّه فعمل به.
– ما قدّمت مما عملت، وأما ما أخَّرت فالسنة يَسُنها الرجل يُعمل بها من بعده.
5- {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم}:
• (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ): يَا ابْنَ آدَمَ (الكافر).
• (مَا غَرَّكَ): مَا خَدَعَكَ وَسَوَّلَ لَكَ الْبَاطِلَ حَتَّى أَضَعْتَ مَا وَجَبَ عَلَيْكَ.
• (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) بربك الْعَظِيمِ.
– أي مَاذَا أَمَّنَكَ مِنْ عَذَابِهِ، حَتَّى أَقْدَمْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَابَلْتَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ.
– وَقَالَ البعض: إِنَّمَا قَالَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِه؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَابَلَ الْكَرِيمُ بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور.
– وقد نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وقيل: نَزَلَتْ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ شُرَيْقٍ ضَرَبَ النَّبِيَّ فَلَمْ يُعَاقِبْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
7- {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}:
– «فَعَدَلَكَ» بِالتَّخْفِيفِ: أَيْ صَرَفَكَ وَأَمَالَكَ إِلَى أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ حَسَنًا، وَقَبِيحًا، وَطَوِيلًا، وَقَصِيرًا.
– «فعدّلك» بالتشديد: أَيْ قَوَّمَكَ وَجَعَلَكَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ وَالْأَعْضَاءِ، سَوِيًّا مستقيماً معتدل القامة، منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال.
– روى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ ثُمَّ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ أنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مثل هذا؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي: قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وأنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟
8- {فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}:
– فِي أَيِّ شَبَهِ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ، أو خالٍ، أو عمٍ.
– إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ قِرْدٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ خِنْزِيرٍ، وإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ حِمَارٍ.
– أَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَى شَكْلٍ قَبِيحٍ، مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُنْكَرَةِ الْخَلْقِ، وَلَكِنْ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِهِ وَحِلْمِهِ، يَخْلُقُهُ عَلَى شَكْلٍ حَسَنٍ مُسْتَقِيمٍ، مُعْتَدِلٍ تَامٍّ حَسَنِ الْمَنْظَرِ والهيئة.
– سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبي رباح عن مولوده القادم فقال له: ما وُلِدَ لَك؟ قال: يا رسول الله ما عسَى أن يولد لي، إما غلام، وإما جارية، قال: فَمَن يُشْبِهُ؟ قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟ إما أباه، وإما أمه؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم عندها: مَهْ (اسكت)، لا تَقُولَنَّ هَكَذَا، إنَّ النُّطْفَةَ إذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أحْضَرَ اللهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وَبَينَ آدَمَ، أما قَرأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كتاب الله (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ).
– وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ قَوْلًا آخَرَ: «فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ» إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ دَابَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ آخَرَ.
9- {كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}:
• (بِالدِّينِ): بالجزاء والحساب.
– أي: مع هذا الوعظ والتذكير، لا تزالون مستمرين على التكذيب بالجزاء والحساب.
– أي إِنَّمَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْكَرِيمِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالْمَعَاصِي، تكذيب قُلُوبِكُمْ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ.
– ليس الأمر أيها الكافرون كما تقولون من أنكم على الحقّ في عبادتكم غير الله، ولكنكم تكذّبون بالثواب والعقاب، والجزاء والحساب.
10- {وَإِن عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}:
– وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَمَلَائِكَةً حَفَظَةً.
– وإن عليكم رُقَبَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ.
11- {كِرَاماً كَاتِبِينَ}:
• (كِرَاماً): كرامًا على الله.
• (كَاتِبِينَ): يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ أَقْوَالَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ.
12- {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}:
– يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ويحصون ذلك عليكم.
– يعلمون أفعالكم. ودخل في هذا أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فاللائق بكم أن تكرموهم وتجلوهم وتحترموهم.
13- {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}:
• (الْأَبْرَارُ): الَّذِينَ بَرُّوا وَصَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
– القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبر، في أعمال القلوب وأعمال الجوارح. • (لَفِي نَعِيمٍ): فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح والبدن، في دار الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار القرار.
• إن الذين برّوا بأداء فرائض الله، واجتنابِ معاصيه لفي نعيم الجنان ينعمون فيها.
14- {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }:
• (وَإِنَّ الْفُجَّارَ): الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده، الذين فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم.
– الذين كفروا بربهم.
• (لَفِي جَحِيمٍ): أي: عذاب أليم، في دار الدنيا ودار البرزخ وفي دار القرار.
– رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لِأَبِي حَازِمٍ الْمَدَنِيِّ: لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَيْنَ أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: «إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ».
15- {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}:
• (يَصْلَوْنَهَا): يَصْلَى هؤلاء الفجار الجحيم، ويعذبون بها أشد العذاب.
• (يَوْمَ الدِّينِ): يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْقِيَامَةِ. وهو من أسماء يوم القيامة.
– يوم يُدان العباد بالأعمال، فيُجازَوْنَ بها.
16- {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}:
– بل هم ملازمون لها، لا يخرجون منها.
– وما هؤلاء الفجار من الجحيم بخارجين أبدًا، فغائبين عنها، ولكنهم فيها مُخلَّدون مَاكثون، وكذلك الأبرار في النعيم، وذلك نحو قوله: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ).
– لَا يَغِيبُونَ عَنِ الْعَذَابِ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا، وَلَا يُجَابُونَ إِلَى مَا يَسْأَلُونَ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الرَّاحَةِ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا.
17- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}
– (وَمَا أَدْرَاكَ): وما أعلمك.
– ( مَا يَوْمُ الدِّينِ): يوم القيامة.
– وهذا تَعْظِيمٌ لشِأن يوم القيامة.
18- {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}:
– كَرَّرَ تأكيد وتعجبًا وتَعْظِيمًا لشِأن يوم القيامة..
– في هذا تهويل لذلك اليوم الشديد الذي يحير الأذهان.
19- {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}:
• (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا):
ولو كانت لها قريبة أو حبيبة فكل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغيرها.
– يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كَافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ الْمَنْفَعَة.
• (وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ): فهو الذي يفصل بين العباد، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه.
– لَمْ يُمَلِّكِ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدًا شَيْئًا كَمَا مَلَّكَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
– ليس ثم أحد يومئذ يقضي شيئًا، ولا يصنع شيئًا إلا ربّ العالمين.


