تفسير سورة النبأ
1- {عَمَّ يتساءلون }:
– {عَمَّ} أَصْلُهُ: “عَنْ مَا” فَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي الْمِيمِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ “مَا” [كَقَوْلِهِ] “فِيمَ” وَ”بِمَ”؟
– أَيْ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُونَ، هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ؟ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَخْبَرَهُمْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُونَ: مَاذَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد؟
– لما بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم، فأنزل الله: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)
2- {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}:
– أمر يوم القيامة. يَعْنِي الْخَبَرَ الهائل المفظع الباهر.
– أي: عن الخبر العظيم الذي طال فيه نزاعهم، وانتشر فيه خلافهم على وجه التكذيب والاستبعاد، وهو النبأ الذي لا يقبل الشك ولا يدخله الريب، ولكن المكذبون بلقاء ربهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم.
– قال قتادة: النَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
– قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ الْقُرْآنُ.
3- {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}:
– البعث بعد الموت، فصار الناس فيه فريقين: مصدّق ومكذّب، فأما الموت فقد أقرّوا به لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت.
– صاروا هم فيه مختلفون فريقين: فريق به مصدّق، وفريق به مكذّب.
– يعني الناس فيه مُؤْمِنٌ بِهِ وَكَافِرٌ.
4- {كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ} 5- {ثُمَّ كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ}
– وقوله: (كَلا) يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون الذين ينكرون بعث الله إياهم أحياء بعد مماتهم، وتوعدهم جل ثناؤه على هذا القول منهم.
– أي: سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون، حين يدعون إلى نار جهنم دعا، ويقال لهم: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}.
– (سَيَعْلَمُونَ): سيعلم هؤلاء الكفار المنُكرون وعيد الله أعداءه، ما الله فاعل بهم يوم القيامة، ثم أكد الوعيد بتكرير آخر، فقال: ما الأمر كما يزعمون من أن الله غير محييهم بعد مماتهم، ولا معاقبهم على كفرهم به، سيعلمون أن القول غير ما قالوا إذا لقوا الله، وأفضوا إلى ما قدّموا من سيئ أعمالهم.
– وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، ثُمَّ شَرَعَ تبارك وَتَعَالَى يُبَيِّنُ قُدْرَتَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَى خَلْقِ الْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ وَالْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ.
– (كَلا سَيَعْلَمُونَ) الكفار (ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ) المؤمنون.
6- {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}:
– تمتدونها وتفترشونها.
– أَيْ مُمَهَّدَةٌ لِلْخَلَائِقِ ذَلُولًا لَهُمْ، قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً.
– أي: مُمهدة مهيأة لكم ولمصالحكم، من الحروث والمساكن والسبل.
– (مِهادًا) أي بساطًا.
7- {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً}:
– أَيْ جَعَلَهَا لَهَا أَوْتَادًا، أَرْسَاهَا بِهَا وَثَبَّتَهَا وَقَرَّرَهَا، حَتَّى سَكَنَتْ وَلَمْ تَضْطَرِبْ بِمَنْ عَلَيْهَا.
– والجبال للأرض أوتادا أن تميد بكم.
– تمسك الأرض لئلا تضطرب بكم وتميد.
8– {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً}:
– يعني ذكراً وأنثى، يتمتع كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَيَحْصُلُ التَّنَاسُلُ بِذَلِكَ.
– وطوالًا وقصارًا، أو ذوي دمامة وجمال.
– أَصْنَافًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
9- {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}:
– وجعلنا نومكم لكم راحة ودَعة، تهدءون به وتسكنون، كأنكم أموات لا تشعرون، وأنتم أحياء لم تفارقكم الأرواح.
– والسبت والسبات: هو السكون، ولذلك سُمي السبتُ سبتًا؛ لأنه يوم راحة ودعة يغشى الناس لتنقطع حركاتهم الضارة، وتحصل راحتهم النافعة
– راحة لكم، وقطعا لأشغالكم، التي متى تمادت بكم أضرت بأبدانكم، فجعل الله الليل والنوم.
10- {وجعلنا الليل لِبَاساً}:
– إي يغشى الناس بظلامه وسواده كما يغطي الثوب لابسه لتسكنوا فيه عن التصرّف لما كنتم تتصرّفون له نهارًا.
– عن قتادة (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) قال: سكنا.
– غِطَاءً وَغِشَاءً يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ بِظُلْمَتِهِ
11- {وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً}:
– أي جعلناه مشرقاً نيراً مُضِيئًا لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالذِّهَابِ والمجيء للمعايش والتكسب والتجارات وغير ذلك.
– عن مجاهد، قوله: (النَّهَارَ مَعَاشًا) قال: يبتغون فيه من فضل الله.
– الْمَعَاشُ: الْعَيْشُ، وَكُلُّ مَا يُعَاشُ فِيهِ فَهُوَ مَعَاشٌ، أَيْ جَعَلْنَا النَّهَارَ سَبَبًا لِلْمَعَاشِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ.
12- {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}:
– (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ): وسقفنا فوقكم، فجعل السقف بناءً، إذ كانت العرب تسمي سقوف البيوت – وهي سماؤها – بناءً وكانت السماء للأرض سقفًا، فخاطبهم بلسانهم إذ كان التنزيل بِلسانهم.
– (سبعًا): يَعْنِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها وتزينها بالكواكب الثوابت والسيارات.
– (شِدَادًا): في غاية القوة، والصلابة والشدة إذ كانت وثاقًا محكمةً الخلق، لا صدوع فيهنّ ولا فطور، ولا يبليهنّ مرّ الليالي والأيام.
13– {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}:
– (سراجًا): يَعْنِي الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ عَلَى جميع العالم.
– (وهاجًا): وقادًا مضيئًا، والتي يتوهج ضوءها لأهل الأرض كلهم.
– سراجًا منيرًا، يتلألأ ضوءه.
– نبه بالسراج على النعمة بنورها، الذي صار كالضرورة للخلق، وبالوهاج الذي فيه الحرارة على حرارتها وما فيها من المصالح.
14- {وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات ماءً ثَجَّاجاً}:
– اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالمعصرات، فقال بعضهم:
عُنِي بها الرياح التي تعصر في هبوبها.
– وقال آخرون: بل هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولمَّا تمطر، كالمرأة المعصر التي قد دنا أوان حيضها ولم تحض.
– وقال آخرون: بل هي السماء.
– فإن الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره.
– (مَاءً ثَجَّاجًا): متتابعًا، صَبَّابًا، مِدْرَارًا، كَثِيرًا جدًا.
15- {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} 16- {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا}:
– أَيْ لِنَخْرِجَ بِهَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ الْمُبَارَكِ {حَبّاً} يُدَّخَرُ لِلْأَنَاسِيِّ وَالْأَنْعَامِ، {وَنَبَاتاً} أَيْ خَضِرًا يؤكل رطبه.
– لنخرج بالماء الذي ننزله من المعصرات إلى الأرض حبًا، والحب كل ما تضمنه كمام الزرع التي تحصد، وهي جمع حبة، وهي ما يأكله الناس.
– وأما النبات فهو الكلأ الذي يُرْعى، من الحشيش والزروع مِمَّا تَأْكُلُهُ الْأَنْعَامُ.
– (وَجَنَّاتٍ): أَيْ بَسَاتِينَ وَحَدَائِقَ مِنْ ثَمَرَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَطَعُومٍ وَرَوَائِحَ مُتَفَاوِتَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذلك في بقعة واحدة مِنَ الْأَرْضِ مُجْتَمَعًا.
– قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَلْفَافًا مُجْتَمِعَةً. وجنات التفّ بعضها فوق بعض.
17- {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}:
– (يَوْمِ الْفَصْلِ): هو يوم القيامة
– (ميقاتًا): أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَلَا يَعْلَمُ وَقْتَهُ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا اللَّهُ عزَّ وجلَّ.
– وهو يوم عظَّمه الله، يفصِل الله فيه بين الأوّلين والآخرين بأعمالهم.
– يَوْمَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ.
18- {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}:
– (الصور): قرن.
– عن قتادة، قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) والصُّور: الخَلق.
– (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا): فيجيئون زمرًا زمرًا، وجماعة جماعة.
– قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي تَأْتِي كُلُّ أمة مع رسولها.
– فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا: لأن كلّ أمة أرسل الله إليها رسولا تأتي مع الذي أرسل إليها كما قال: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ).
19- {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً}:
– أَيْ طُرُقًا وَمَسَالِكَ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ.
– وشققت السماء فصدّعت، فكانت طُرقًا، وكانت من قبل شدادًا لا فطور فيها ولا صدوع.
– وفُتحت السماء فكانت قِطعًا كقطع الخشب المشقَّقة لأبواب الدور والمساكن.
– وفُتحت السماء فكانت قِطعًا كالأبواب، فلما أسقطت الكاف صارت الأبواب الخبر، كما يقال في الكلام: كان عبد الله أسدًا، يعني: كالأسد.
– أَيْ شُقَّتْ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ.
20- {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}:
– ونُسفت الجبال فاجتثت من أصولها، فصيرت هباءً منبثا، لعين الناظر، كالسراب الذي يظنّ من يراه من بُعد ماءً، وهو في الحقيقة هباءً.
– (فَكَانَتْ سَرَاباً): أَيْ يُخَيَّلُ إِلَى النَّاظِرِ أَنَّهَا شيء وليست بشيء، وبعد هَذَا تَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ.
– وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ.
21- {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}:
– أَيْ مُرْصَدَةً مُعَدَّةً.
– إن جهنم كانت ذات رَصْد لأهلها الذين كانوا يكذّبون في الدنيا بها وبالمعاد إلى الله في الآخرة، ولغيرهم من المصدّقين بها. ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها وترصُدهم.
– ألا إنّ على الباب الرّصَد، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز احتبس.
– لا يدخل الجنة أحد حي يجتاز النار.
– عن سفيان (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) قال: عليها ثلاث قناطر.
22- {لِّلطَّاغِينَ مَآباً}:
– (لِّلطَّاغِينَ): وَهُمُ الْمَرَدَةُ الْعُصَاةُ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ.
– (مَآباً): أي مرجعًا، ومنقلبًا، ومصيرًا، ونزلاءً.
– إن جهنم للذين طَغَوا في الدنيا، فتجاوزوا حدود الله استكبارًا على ربهم كانت منزلًا ومرجعًا يرجعون إليه، ومصيرًا يصيرون إليه يسكنونه.
23- {لَاّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً}:
– أَيْ مَاكِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا وَهِيَ جَمْعُ حُقْبٍ وَهُوَ الْمُدَّةُ مِنَ الزَّمَانِ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ.
– الْأَحْقَابُ فَلَيْسَ لَهَا عِدَّةٌ إِلَّا الْخُلُودَ فِي النَّارِ
– وهو ما لا انقطاع له، كلما مضى حُقْب جاء حُقْب بعده. وذُكر أن الحُقْب ثمانون سنة.
24- {لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا}:
– أَيْ لَا يَجِدُونَ فِي جَهَنَّمَ بَرْدًا لِقُلُوبِهِمْ، وَلَا شراباً طيباً يتغذون به.
– لا يطعمون فيها بردًا يبرد حرّ السعير عنهم، إلا الغساق، ولا شرابًا يرويهم من شدّة العطش الذي بهم، إلا الحميم.
– زعم بعض أهل العلم بكلام العرب أن البرد في هذا الموضع النوم، وأن معنى الكلام: لا يذوقون فيها نومًا ولا شرابًا.
25- {إِلَاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً}:
– فَأَمَّا الْحَمِيمُ: فَهُوَ الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وحموُّه كالمُهْل يَشْوِي الوجوه.
– وَالْغَسَّاقُ: هُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ وَعَرَقِهِمْ وَدُمُوعِهِمْ وَجُرُوحِهِمْ، فَهُوَ بَارِدٌ لَا يُسْتَطَاعُ من برده ولا يواجه من نتته.
– إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا: قالا غُسالة أهل النار.
– وقال آخرون: الغساق: الزَّمْهَرِيرُ يَحْرِقُهُمْ بِبَرْدِهِ
– والزمهرير، هو غاية البرد، فكيف يكون الزمهرير سائلا؟ قيل: إن البرد الذي لا يُستطاع ولا يُطاق يكون في صفة السائل من أجساد القوم من القيح والصديد.
26- {جزاءً وِفَاقاً}:
– أَيْ هَذَا الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وِفْقَ أَعْمَالِهِمُ الْفَاسِدَةِ الَّتِي كَانُوا يعملونها في الدنيا.
– ثوابا لهم على أفعالهم وأقوالهم الرديئة التي كانوا يعملونها في الدنيا.
– أي ثوابًا وافَق أعمالهم.
– عملوا شرّا فجزوا شرّا، وعملوا حسنا فجزوا حسنا.
27- {إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَاباً}:
– أَيْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ثَمَّ دَارًا يُجَازَوْنَ فِيهَا وَيُحَاسَبُونَ.
– لا يبالون فيصدّقون بالغيب.
– لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب، وكيف يرجو الحساب من لا يوقن أنه يحيا، ولا يوقن بالبعث.
28- {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}:
– وَقَوْلُهُ كِذَّاباً: أَيْ تَكْذِيبًا.
– أَيْ وَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَدَلَائِلِهِ عَلَى خلقه التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم فَيُقَابِلُونَهَا بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ.
– وكذّب هؤلاء الكفار بحُججِنا وأدلتنا تكذيبا.
29- {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً}:
– أَيْ وَقَدْ عَلِمْنَا أعمال العباد وَكَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ، وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
– وكلّ شيء أحصيناه فكتبناه كتابًا، كتبنا عدده ومبلغه وقدره، فلا يعزُب عنا علم شيء منه.
– ونصب كتابًا، لأن في قوله: (أحصَيْناهُ) مصدر أثبتناه وكتبناه، كأنه قيل: وكلّ شيء كتبناه كتابًا.
30- {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَاّ عَذَاباً}:
– فَذُوقُوا: أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي الدائم.
– أَيْ يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ وهم المكذبون ذُوقُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَاّ عَذَابًا مِنْ جِنْسِهِ وَآخَرُ مِنْ شكله أزواج.
– قال قتادة: لم ينزل الله عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الآية {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلا عَذَاباً} فهم في مزيد من العذاب أبداً.
31- {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}:
– الذين اتقوا سخط ربهم، بالتمسك بطاعته، والانكفاف عما يكرهه فلهم مفاز ومنجي، وبعد عن النار.
– إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرًا بما طلبوا.
– فَوْزًا وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ.
32- {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا}:
– (حَدَائِقَ): وهي البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية، في الثمار التي تتفجر بين خلالها الأنهار.
– أَشْجَارَ الْجَنَّةِ وَثِمَارَهَا.
– وخص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق.
33- {كَوَاعِبَ أَتْرَابًا}:
– (كواعب): أَيْ نَوَاهِدَ، يَعْنُونَ أَنْ ثُدُيَّهُنْ نَوَاهِدَ لَمْ يَتَدَلَّيْنَ، لِأَنَّهُنَّ أَبْكَارٌ.
– (أَتْرَابًا): مُسْتَوِيَات في السن. ومن عادة الأتراب أن يكن متآلفات متعاشرات، وذلك السن الذي هن فيه ثلاث وثلاثون سنة، في أعدل سن الشباب.
– عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ قُمُصَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِتَبْدُوَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَإِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِهِمْ فَتُنَادِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أُمْطِرَكُمْ؟ حَتَّى إِنَّهَا لَتُمْطِرُهُمُ الْكَوَاعِبَ الأتراب».
34- {وَكَأْسًا دِهَاقًا}:
– مَمْلُوءَةٌ مُتَتَابِعَةٌ.
– وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء.
– صافية.
– أي: مملوءة من رحيق، لذة للشاربين.
35- {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا }:
– أي: كلاما لا فائدة فيه
– لَغْوًا وَلا كِذَّابًا: باطلًا وإثمًا.
– أَيْ لَيْسَ فِيهَا كَلَامٌ لَاغٍ عَارٍ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَلَا إِثْمٌ كَذِبٌ، بَلْ هِيَ دَارُ السَّلَامِ وَكُلُّ مَا فِيهَا سَالِمٌ مِنَ النَّقْصِ.
36- {جَزاءً مِّن رَّبِّكَ عطاءً حِسَابًا}:
– أَيْ هذا الذي ذكرناه، جازاهم الله به بفضله ومنّه وإحسانه.
– (عَطاءً): حِسَاباً أي كافياً وافياً سالماً كثيراً، وَمِنْهُ حَسْبِيَ اللَّهُ، أَيِ اللَّهُ كافيَّ.
– أي: بسبب أعمالهم التي وفقهم الله لها، وجعلها ثمنًا لجنته ونعيمها.
37- {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا}:
– رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الذي خلقها ودبرها.
– (الرَّحْمَنِ): الذي رحمته وسعت كل شيء، فرباهم ورحمهم، ولطف بهم، حتى أدركوا ما أدركوا.
– يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وأنه رَبُّ السماوات وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الذي شملت رحمته كل شيء.
– (لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً): أَيْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ابْتِدَاءِ مُخَاطَبَتِهِ إِلَاّ بِإِذْنِهِ.
– وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَمْلِكُونَ شَفَاعَةً إِلَّا بِإِذْنِهِ.
38- {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وقال صوابا }:
– (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ): اختلف أهل العلم في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم:
هو مَلَك من أعظم الملائكة خَلْقًا.
– عن ابن مسعود، قال: الرُّوح: ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح الله كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلَكا من الملائكة، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده.
– وقال آخرون: هو جبريل عليه السلام.
– وقال آخرون: خَلْق من خلق الله في صورة بني آدم.
– وقال آخرون: هم بنو آدم.
– وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم.
– وقال آخرون: هو القرآن.
– إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ خَلْقَه لا يملكون منه خطابًا، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح خَلْق من خَلْقِه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره يجب التسليم له، ولا حجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.
– (صَفًّا): خاضعين لله.
– (لا يَتَكَلَّمُونَ): إلا بما أذن لهم الله به.
– إنهم يُؤْذَن لهم في الكلام حين يُؤْمَر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
– وقال آخرون: (إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) بالتوحيد.
– (وَقَالَ صَوَابًا) في الدنيا، فوحَّد الله.
– (وَقَالَ صَوَاباً) أَيْ حَقًّا، وَمِنَ الْحَقِّ.
39- {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}:
– (ذَلِك الْيَوْمُ) يعني: يوم القيامة، وهو يوم يقوم الروح والملائكة صفا.
– (الْحَقُّ): إنه حقّ كائن لا شكّ فيه.
• (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا): فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحقّ، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله.
– (مآبًا) يعني: مرجعًا، وهو مَفْعَلٌ من قولهم: آب فلان من سفره.
– اتخذوا إلى الله مآبًا بطاعته، وما يقرّبهم إليه.
– فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا أي: عملا وقدم صدق يرجع إليه يوم القيامة.
40- {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ويقول الكافر يا ليتني كُنتُ تُرَاباً }:
– يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتَأَكُّدِ وُقُوعِهِ صَارَ قَرِيبًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا هو آت قريب.
– لأنه قد أزف مقبلًا وكل ما هو آت فهو قريب.
– إنا حذّرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرُب.
• (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ):
– أَيْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، قَدِيمِهَا وحديثها كقوله تعالى: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حاضراً}، وكقوله تَعَالَى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}.
– (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ) المؤمن (مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) من خير اكتسبه في الدنيا، أو شرّ سَلَفَهُ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله، ويخاف عقابه على سيئها.
– أي: هذا الذي يهمه ويفزع إليه، فلينظر في هذه الدنيا إليه ، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
• (ويقول الكافر يا ليتني كُنتُ تُرَاباً):
– أَيْ يَوَدُّ الْكَافِرُ يومئذٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا تُرَابًا، وَلَمْ يَكُنْ خُلِقَ وَلَا خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ، وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ عَذَابَ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَى أَعْمَالِهِ الْفَاسِدَةِ قَدْ سُطِّرَتْ عَلَيْهِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ البررة.
– وقيل: يَوَدُّ ذَلِكَ حِينَ يَحْكُمُ اللَّهُ، بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيَفْصِلُ بَيْنَهَا بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ، حَتَّى إِنَّهُ لِيَقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهَا قَالَ لَهَا: كُونِي تُرَابًا فَتَصِيرُ تُرَابًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} أَيْ كُنْتُ حَيَوَانًا فَأَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ.
– عن أبي هريرة، قال: « إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا».


